العلامة المجلسي

62

بحار الأنوار

الماء ثم يكمن تحته ويثور الماء الذي عليه حتى لا يتبين شخصه فإذا وقع الطير على السمك الطافي وثب إليها فاصطادها ، فانظر إلى هذه الحيلة كيف جعلت طبعا في هذه البهيمة لبعض المصلحة . قال المفضل : فقلت : خبرني يا مولاي عن التنين والسحاب ، فقال عليه السلام : إن السحاب كالموكل به يختطفه حيثما ثقفه كما يختطف حجر المقناطيس الحديد فهو لا يطلع رأسه في الأرض خوفا من السحاب ، ولا يخرج إلا في القيظ مرة ، إذا سحت السماء فلم يكن فيها نكتة من غيمة قلت : فلم وكل السحاب بالتنين يرصده ويختطفه إذا وجده ، قال : ليدفع عن الناس مضرته . قال المفضل : فقلت : قد وصفت لي يا مولاي من أمر البهائم ما فيه معتبر لمن اعتبر ، فصف لي الذرة ( 1 ) والنمل والطير ، فقال عليه السلام : يا مفضل تأمل وجه الذرة الحقيرة الصغيرة هل تجد فيها نقصا عما فيه صلاحها ، فمن أين هذا التقدير والصواب في خلق الذرة إلا من التدبير القائم في صغير الخلق وكبيره . انظر إلى النمل واحتشادها في جمع القوت وإعداده ، فإنك ترى الجماعة منها إذا نقلت الحب إلى بيتها بمنزلة جماعة من الناس ينقلون الطعام أو غيره ، بل للنمل في ذلك من الجد والتشمير ما ليس للناس مثله ، أما تراهم يتعاونون على النقل كما يتعاون الناس على العمل ؟ ثم يعمدون إلى الحب فيقطعونه قطعا لكيلا ينبت فيفسد عليهم ( 2 ) ، فان أصابه ندى أخرجوه فنشروه حتى يجف ، ثم لا يتخذ النمل الزبية ( 3 ) إلا في نشز من الأرض كي لا يفيض السيل فيغرقها ( 4 ) ، فكل هذا منه بلا عقل

--> ( 1 ) الذرة : النملة الصغيرة الحمراء . ( 2 ) ويقطع الكسفرة ويقسمها أرباعا لما الهم من أن نصفها أيضا ينبت . ( 3 ) الزبية بالضم : الحفرة . ( 4 ) قال الدميري : يحفر قريته بقوائمه وهي ست ، فإذا حفرها جعل فيها تعاريج لئلا يجرى إليها ماء المطر ، وربما اتخذ قرية فوق قرية بسبب ذلك ، وإنما يفعل ذلك خوفا على ما يدخره من البلل ، ومن عجائبه اتخاذ القرية تحت الأرض وفيها منازل ودهاليز وغرف وطبقات معلقة يملاها حبوبا وذخائر للشتاء .